الدّفانُ

كانت الليلة مُقمرة.. ولكنّ الضّباب يغلّف الأجواء والأشياء بهالة شفيفةٍ.. كانت تسيرُ بحذرٍ ورهبَةٍ.. وكأنها تمشي في حلمٍ أو فوق غيمةٍ. يبدو أنّها تاهت فعلا منذ مدّة وهي تسيرُ في أرض لا تعرفها ولكنّها مضطرّة إلى المضيّ قدما يجب أن تجدَ طريقا ما.. إلى مكانٍ ما.

بدأ المسارُ يصَّعّدُ نحو تلّة وصارت عمليّة المشيُ مضنيةً.. وإذا بها تقفُ أمام مكانٍ عجيبٍ.. لاهثة العرق يتصبّب منها وصدرها يحرقها..

ما هذا؟  أهذه مقبرة؟

يدٌ ضخمةٌ استقرّت على كتفها فحانت منها صرخة صغيرة والتفتت فزِعة فإذا هو شيخٌ ضخم البنيان جامد الملامح ينظر إليها نظرةً لا تحمل طيف أيّ معنى وسألها بصوتٍ أجشّ:

ـ من أنتِ؟

ـ يبدو أنّي تهتُ.. آسفة إن أزعجتُك!

ـ لم تزعجيني.. ولكنّي غير متعوّد على الزّيارات..

ـ ألا يأتي أحدٌ لزيارة هذه القبور؟

ـ لا

ـ أهم مجهولون؟

ـ كانوا معروفين جدا..

كانت عيناها الفضوليتان تلتهمان وجهه والمكان بحثا عن أيّة إجابة..

ـ من هؤلاء؟

ـ تعالي معي!

تقدّم أمامها وفتح بابا حديديّا صغيرا باليا بالكاد يلتصق بسورٍ صدئ.. سارت خلفه رغم إشارات تحذيرٍ من عقلها تجاهلتها جميعا أمام سطوة فضولها النّهِمِ..

أجالت بصرها في المكان بشيء من الذّهول وقالت:

ـ ما هذه؟ أقبورٌ هي؟ لماذا لا تحمل الشّواهد سوى الأسماء؟ أين تواريخ الولادة والوفاة؟

ـ صعب تحديد ذلك! الأمور هنا معقّدة.

ـ كيف معقّدة؟ من يرقد في ذلك القبر الدائري ذي المنحنيات؟

ـ إنّها الآلهة نامو.

ـ ماذا؟ أهذه مقبرة آلهة؟

ـ …

ـ وتلك القبور حولها؟ ذات القرون والأعمدة المستقيمة؟

ـ إنها لآن وأنليل وآنكي ومردوخ وغيرهم..

ـ وذاك الموازي؟

ـ إنه آمون..

ـ يبدو فخما جدا. ولماذا تعجّ تلك الجهة بالألوان المتفجّرة في حين تبدو هذه الجهة رسميّة جادّة.

ـ أولئك آلهة اليونان.. كانوا متهتّكين منحلّين منبسطين.. أما أرباب مصر القديمة فقد اتسموا بالجديّة والوقار..

ـ آآآه.. من أجل ذلك.

تقدّمت بشيء من الرّهبة تهزّها رغبة عارمة في اكتشاف المزيد.. ثم تراجعت خطوة وسألت الشيخ:

ـ وذلك الركن المظلم؟

ـ يرقد هناك أشدّ الآلهة دمويّة..

جفلت قليلا ثم أضافت وهي تدور على نفسها:

ـ يبدو المكان واسعا جدا.

قال وهو يرفع مصباحه إلى أعلى:

ـ إنّه أوسع من خيالك نفسه ولا يمكن لمصباحي الصغير أن يُريك إلا جزءا بسيطا منه.

شهقت شهقةً طويلة وقالت:

ـ كلّ هؤلاء؟! ولكن بما أنّ لا أحد يزورهم ماذا تفعل أنت هنا؟

ـ أنا أساعدهم على أن يرقدوا بسلام بعد أن يتمّ التأكّد من موتهم التّام.. فمعظمهم عاشوا حياة طويلة مُتعِبة مُرهِقة.

ـ منذ متى وأنتَ هنا؟

ـ ابتسم لأوَّل مرّة منذ لقائهما وقال لها وهو يدفعها برفقٍ من كتفها:

ـ هيّا!  سأُريكِ الطّريق.. يجب أن تعودي إلى بيتك.

تلكأت قليلا في مشيتها.. لم تكن تريد المغادرة فالأسئلة تغلي في رأسها كمِرجلٍ.. ولكنّ اليد الضخّمة كانت تدفعها بلينٍ وحزمٍ نحو الباب..

أثناء خروجها لمحت يمين البابِ معولا ورفشًا.. وقفت حتى تسأله ولكنه واصل دفعها قائلا:

ـ لقد تأخّر الوقتُ كثيرا..  يحب أن تعودي.

قد يعجبك ايضا